أبي منصور الماتريدي
31
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
موسى مشبها ، وإما أن كان الله يرى ؛ لأنه لو كان بالذي لا يرى فسأل « 1 » ربّه رؤيته ، كان جاهلا به ، مشبها خلقه به ، فدل أنه يرى . ثم الأصل أن من تأمل الذي ذكره الكعبي عرف أنه مشبهي المذهب ؛ لأنه لم يذكر المعنى الذي له يجب أن تكون الرؤية بتلك الشرائط ، إنما أخبر أنه كذلك وجد ، وهو قول المشبهة أنه وجد كل فاعل في الشاهد جسما ، وكذا كل عالم ، فيجب مثله في الغائب ، ثم ذكر معنى رؤية الجسم ، ولم يذكر معنى رؤية غير الجسم حتى يكون له دليلا . وبعد ، فإنه نفي بالدقة والبعد وهما زائلان عن الله تعالى ، ثم احتج بامتداح الله تعالى : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [ الأنعام : 103 ] ، وقال : لا يجوز أن يزول فمثله عليه في قوله : خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [ الأنعام : 102 ] وقوله : وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ المائدة : 120 ] ، فلا يجوز أن يزول ، ثم قد وصف الله بالرؤية على إسقاط ما ذكر ، فثبت أن ذلك طريق لا يؤدي عن « 2 » كنه ما به الرؤية . فإن قيل : كيف يرى ؟ قيل : بلا كيف ؛ إذ الكيفية تكون لذي صورة ، بل يرى بلا وصف قيام ، وقعود ، واتكاء ، وتعلق ، واتصال ، وانفصال ، ومقابلة ، ومدابرة وقصر ، وطول « 3 » ، ونور ، وظلمة ، وساكن ، ومتحرك ، ومجانس ، ومباين ، وخارج ، وداخل ، ولا معنى يأخذه الوهم أو يقدره العقل لتعاليه عن ذلك . وقوله - عزّ وجل - : فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا . . . الآية . قال أبو بكر الأصم : تجلي بالآيات والأعلام التي بها يرى [ لا رؤية الذات ] « 4 » ، وكذلك قال في قوله : رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ : إنه إنما سأل ربه الآيات والأعلام التي [ بها ] « 5 » يرى لا رؤية الذات ، وقد بينا بعده وإحالته ؛ لما قد أعطاه من الآيات والأعلام : [ ما فيه ] غنية عن غيرها ، فلا يحتاج إلى غيرها .
--> - النسب إلى البصرة : بصري ، وبصري . وقال أبو بكر : سميت البصرة ؛ لأن أرضها التي بين العقيق وأعلى المربد حجارة رخوة ، وهو الموضع الذي يسمى الحزيز . ينظر : معجم ما استعجم ( 1 / 254 ) . ( 1 ) في أ : فسأله . ( 2 ) في ب : في . ( 3 ) في ب : قصير وطويل . ( 4 ) سقط في أ . ( 5 ) سقط في أ .